خواطر سريعة عن بنغلاديش.. بلاد التناقضات ـ محمد غلام أميًا

أون ريم ـ رأي الكتاب ـ جمال لا يوصف وقبح لا يخطر على بال.. روائح ندية عبقة وأخرى نتنة عفنة.. هواء عليل ورطوبة خانقة.. سلفية سوداء وصوفية مزركشة.. حكم مدني بملمس نسوي ناعم بقفازات عسكرية خشنة.. وإرث نضالي لاستقلال مسلميها عن الهندوس وواقع يكرس تبعيتها المطلقة لهم..

كل ذلك تجده هنا، في هذه البلاد، بنغلادش أرض التناقضات والبهارات..

الجمال يتراءى لك في كل مكان وخصوصا إن يممت وجهك شطر الأرياف.. سهول منبسطة خضراء وغابات كثيفة.. أمطار لا تتوقف وثمار وأنهار..

كل ذلك يقابله، خصوصا في القرى والمدن، روائح نتنة وقاذورات ومجاري عفنة.. الفقر مدقع ومظاهر البؤس مريعة.

تذكرك أريافها بمدينة لوزان السويسرية ومدنها بنواكشوط، ولاسيما يوم بمرصة أف.

“السلفية” هنا لها مريدون كثر، ولا تخطئ العين رجالا بلحى طويلة وسراويل قصيرة متعالين كأنما أمسكوا مفاتيح قصورهم في الجنة، و”صوفيين” خانعين..

وبين هذا وذاك –ولو في حدود دنيا- ثمة سلفية علمية وصوفية راشدة وإخوانية متوازنة..

الناس هنا في أغلبهم – قبل النفط الخليجي وبعده- متصوفون.. المزارات منتشرة تجبى إليها الأرزاق من كل مكان، وتطلب منها الأرزاق والذرية وطول العمر والخلود في الجنة..

عبد القادر الجيلاني –وفق الأساطير الشعبية هنا- زار البلاد، وقد يكون أسري به من بغداد، وحوّل جِنها المتربصين بالناس في أحد الجبال المعروفة هنا إلى أسماك شهية يصطادها الناس طلبا للبركة وملء البطون أيضا.

حقوقيا، عانت البلاد -كما يقول لك كثيرون هنا- من الاضطهاد الباكستاني خلال أكثر من 20 عاما بعد الانفصال عن الهند 1947 يقول هؤلاء: كنا مثل الروهينغا في ميانمار، كنا مواطنين من الدرجة الثانية.. لكن بنغلادش تضطهد الآن شعبها: أغلب قيادات المعارضة في السجون ومنهم خالدة ضياء الغريمة العنيدة لرئيسة الوزراء حسينة واجد.. وقادة الجماعة الإسلامية أعدموا شنقا وزج بهم في السجون لمساندتهم البقاء ضمن باكستان في حرب الانفصال 1971.

تضطهد البلاد أيضا الروهينغيين المسلمين، رغم روابط الدم والدين.. تمنع عنهم الاتصال وتضعهم في حظائر كالحيوانات، وتمنع الزواج منهم أو دفنهم في مقابر البنغال.. يقول لك مراقبون إن ذلك يرمي لإرغامهم على العودة إلى ميانمار، أو القبول بالرحيل إلى جزيرة نائية تهددها الفيضانات والأعاصير هي جزيرة باشان تشار. وبعدما تسمّت رئيسة الوزراء -قبل عامين وهي تستقبلهم- بأم الإنسانية، تتحول اليوم وفق وصف كثيرين إلى أم للاضطهاد..

سياسيا، وبعد عقود من تحالف جناحي القارة الهندية للانفصال عن الهند تحت راية الإسلام، تعود اليوم أكبر حليف لها، تسلمها أجواءها وأمنها وتدخل معها في تحالف استراتيجي..

لا يتحدث الناس هنا العربية، ومع ذلك يحفظون القرآن غضا طريا كما لو أنزل للتو، وينهمرون بالبكاء لمجرد ذكر كلمة “عرب” في سياق خطبة جمعة باللغة العربية –وللمفارقة- لا يفهمها أحد.

ومع ما للإسلام من قوة ومنعة هنا، ترى الهندوس –بحكم الصِّلات المتعاظمة مع الهند- يشاركون بقوة في الاقتصاد والتجارة ويحتلون مواقع أمنية مهمة. أما بوذا فيتمدد هنا بأذنيه الطويلتين منشرح الصدر واثقا من نفسه، ووسادته تحت إبطه!.

الإعلامي: محمد غلام ولد أميا ـ صحفي ب”الجزيرة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى