مسافر من محطة ” نواكشوط المدينة” / د ـ سيد محمد أمين

مسافر من محطة ” نواكشوط المدينة” / د ـ سيد محمد أمين

    لم أسفك دما ولم أنثر غلالا، بل حصاد شهر بائس اقتادني إلى هنا لأنظر إلى هذه الأخيلة، امتلء حبورا عند الطواف بكعبة المتزلفين لأحضان الجمال، هكذا وقفت غير بعيد أنتظر وصول القطار، لم أأل جهدا في التطلع إلى حيث يقودني فكري المنهك عبر رذاذ جعلني أصعد تلقائيا سلالم متحركة ، فأحث الخطى نحو طاولة شاغرة. ولم يمهلني النادل بل انطلق نحوي حاملا على شفتيه ابتسامة  عدت أمقتها ، نفس الابتسامة التي تغازل جيبك المنهك، واستجبت لرغبة داخلية في احتساء عصير داخل محطة” المدينة”،إطلالة من المقهى لا يفوز بها الكثير من العابرين أمثالي، كل شيء حولي ينطق بالروعة ، الطاولات ، المصاعد ، الحمام النازل قرب السكة، الحجار المحدقة بالمحطة كأنها تريد إخافتها، البذلات الرسمية وغير الرسمية،وسرب القطارات المنطلقة كل حين. أشعر أحيانا بكوني فارقت إلى الحياة الأزلية، فهاهو شيء  يشبه ما كانت تحدثني به جدتي ، عالم سأتحد معه لا محالة، أمامي أرى المسافرين ما بين مغادر أو واصل توا ، الحقائب تئن من جراء احتكاكها بالأرصفة، أسمع الأصوات تعلو وتهبط، وبقربي أسرة برجوازية لا أكاد أسمع حديثها، وقاطعو التذاكر المساكين لم يبرحوا أمكنتهم والطابور من حولهم تخاله في زيادة بالرغم من عملهم الدؤؤب. ويجول بخاطري حلم مزعج طالما راودني فأشحت عنه لماما. ماذا لو كنا وصلنا إلى هذا الحد من الجرأة فاتخذنا الرقي جسرا يوصلنا إلى الآخر؟ ما المانع أن نكون هكذا؟ ولماذا نلوي أعناقنا نحو الأسفل؟ وكيف نظن بنا خيرا ونحن ما زلنا نرتع على هوامش الطريق؟ الآخر لا يفوقنا حنكة ولا يرجحنا عقلا، غير أنا اكتفينا بكوننا أحفاد عقبة . نعيش على ماض بناه غيرنا ولم ندرك منه إلا مخطوطات بعناها بأبخس الأثمان، فصارت الإرث الثقيل الذي يحرجنا أمام الملأ. ولم يوقظني من هذا الهم إلا النادل يسألني عن الصحراء ـ ملامحي الصحراوية ربطتني بعلاقات لم أكن أحلم بها على الإطلاق ـ  فبدأت أحدثه عن عالمي المتخيل عن فرودس في قلب الصحراء. كنت أحدثه عن ما أريد أن تكون عليه بلادنا. وأثناء حديثي أتذكر بحرقة أني كنت يوما غير بعيد قائما بين أشباح تطوف، أسوار تتهدم وديار عتيقة تتساقط  تدل على فقر ساكنيها، طرق ملتوية كالثعبان، خشنة كالقنافذ، في الليل لا يرتادها غير المغامر، كم أهملت هذي الديار،وحوصرت كم عذبت بساكنيها وغودرت، فهم الحاملين البؤس في عيونهم والذنب في دمائهم يوم ارتحلوا عن أبناء العمومة، آسن شرابهم نزر طعامهم، بغايا على أبوابهم وعرايا في أسواقهم.والسحر والخرافة والدجل والشعوذة وربك المستعان ، مصائب مرفوعة الرايات تفتخر بالانتصار، تزهو بتجارة لن تبور. أعيد تحليل المشهد بين تلك الجدران، خارج تلك الأسوار، تسلقت الجبل مرات ومرات حتى أرى المدينة بقوة، رأيتها كما لم أرها من قبل ، فوهة مفتوحة على رمال الصحراء ، متناثرة هي كأي كأس محطم في العراء، مخيفة  كعيون ميدوزا،حجارها تنذر بالحريق،لا شيء يجذبك إلى هنا، لا معنى للحياة  ، لا جمال أرى ،لا زخرف ولا هناء، يزحف الغبار نحوك ليثنيك عن كل عزم عزمته.والمصيبة أنها لم تكن بدعا من مدننا .عجبا لقوم آخر ما يشغلهم هو التقدم والرقي والبناء . كم سنلبث خارج خارطة الزمن؟ وبأي وجه سنتطلع نحو أحفادنا إن قيض لنا البقاء؟ ابتعد النادل فتطلعت إلى تذكرتي في وجوم وقمت متجها نحو السكة الثانية حتى لا يفوتني القطار.

 

اون ريم

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى